المسار القانوني لمرحلة ما بعد الإمتناع عن الدفع: لا حصانات للبنان

المسار القانوني لمرحلة ما بعد الإمتناع عن الدفع: لا حصانات للبنان
المسار القانوني لمرحلة ما بعد الإمتناع عن الدفع: لا حصانات للبنان

لمعضلة دفع او عدم دفع سندات الدين المُصدَرة من الجمهورية اللبنانية بالعملات الاجنبية (يوروبنودز - Eurobonds) والمكتتبة في الأسواق المالية الدولية جوانب عدّة، من اهمها، النتيجة القانونية للتخلّف عن الدفع بشكل غير منظّم (Disorderly) اي من دون اتفاق مع الدائنين حاملي السندات. وبغياب سلطة دولية تلعب دوراً مماثلاً لمحكمة الإفلاس في القانون الداخلي، وبوجود طرف سيادي في المعادلة وهو الدولة اللبنانية، هناك نقاط قانونية عدّة من الضروري التوقف عندها، ونتيجتها، انّه لا يمكن التكهن بما قد يحصل، ولا اعتبار انّ هناك حلّاً او استشارة او رأياً موحّداً، مما يشرّع الباب واسعاً امام اكبر خطر يهدّد المدين المتخلّف عن الدفع، وهو المجهول، لعدم وجود حصانات للبنان

 

تنازل لبنان عن حصانتي المقاضاة والتنفيذ

تتمتع الدول بحصانات دبلوماسية تمّ قوننتها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، من ضمنها حصانة المقاضاة (Immunité de juridiction) وحصانة التنفيذ (Immunité d’exécution). الاولى تحمي الدولة ضدّ مقاضاتها امام محاكم دولة اخرى، والثانية تحميها ضدّ اجراءات التنفيذ على اصولها الموجودة خارج اراضيها.

الاّ انّه يمكن للدولة ان تتنازل عن حصانة المقاضاة، وهذا ما تفعله عادة بإدخال بند تحكيمي في عقد دولي تُبرمه، او بند يمنح الاختصاص لمحكمة اجنبية. لكن هذا التنازل لا يؤدّي حكماً الى التنازل عن حصانة التنفيذ التي يجب التنازل عنها صراحةً وبشكل منفصل. من الطبيعي ان تتنازل الدولة عن الحصانتين عندما تلجأ الى الاسواق المالية العالمية وتستدين، اذ لا يُعقل ان يديّنها أحد من دون ان يحق له مقاضاتها في حال تخلّفها عن الدفع ومن ثم تنفيذ الحكم على أموالها. وهذا ما فعلته الدولة اللبنانية في عقود إصدارات سندات اليوروبوندز: تنازلت عن حصانتها ضد المقاضاة، بمنحها الاختصاص القضائي غير الحصري (non-exclusive) لمحاكم نيويورك الاميركية للبتّ بكل خلاف ينشأ بشأن السندات. وتنازلت ايضاً عن حصانتها ضد التنفيذ، لأبعد حدّ ممكن (fullest scope)، عملاً بأحكام القانون الاميركي للحصانات السيادية لعام 1976 (Foreign Sovereign Immunities Act of 1976)؛ وقد جاء هذا البند واسعاً ومفصّلاً جداً، بحيث حدّدت الدولة انّها لم تُبقِ من حصانتها سوى ما يتعلق حصراً بسفاراتها وقنصلياتها.

 

حقوق حاملي سندات اليوروبوندز ضد الدولة اللبنانية

في حال تمنّعت الدولة عن الدفع بشكل غير منظّم، وبعد إعمال كافة بنود الإصدارات لجهة الاغلبية (CAC وأغلبية 75%) والاستحقاق (Default and Acceleration) وغيرها، يحق لكل حامل سند ان يقاضيها في اي بلد في العالم، وليس فقط امام محاكم نيويورك، إذ انّ بند الاختصاص جاء غير حصري. فله ان يختار انسب محكمة في العالم بما يُعرف بـ Forum shopping، شرط ان تكون هذه المحكمة مختصّة وفق قواعدها لتنازع الإختصاص القضائي (Conflit de juridictions). الاّ انّه يعود لهذه المحكمة ان تطبّق على أصل النزاع قانون ولاية نيويورك، إذ انّه القانون المختار في عقود اليوروبوندز، مما يحلّ مسألة تنازع القوانين (Conflit de lois). في حال صدور حكم عن هذه المحكمة ضدّ الدولة اللبنانية، يعود لحامل السند ان ينفّذه، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل ايضاً في اي بلد في العالم توجد فيه اصول للدولة اللبنانية.

 

تحديد أموال الدولة اللبنانية القابلة للتنفيذ

لا يمكن لحامل سند الدين ان ينفّذ في لبنان الحكم الأجنبي الصادر ضدّ الدولة اللبنانية. فيتوجب عليه اولاً الاستحصال على الصيغة التنفيذية (Exequatur) عملاً بأحكام المادة 1009 وما يليها من قانون اصول المحاكمات المدنية، وفي حال استحصاله عليها، سيصطدم بعدم قابلية إلقاء الحجز على اموال الدولة اللبنانية وسائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العامة وفق احكام المادة 860. عليه اذاً ان يبحث عن اموال الدولة اللبنانية الموجودة خارج لبنان، وان يدرس إمكانية حجزها، عملاً بالقوانين المرعية الإجراء في بلد تواجد هذه الاموال. فلا يكون القانون الاميركي لعام 1976 معمولاً به في حال حصل التنفيذ خارج الولايات المتحدة، ويمكن ان يكون اطار التنفيذ المحدّد في القانون المحلي المعني اوسع او اضيق مما هو الحال عليه في القانون الاميركي. تأخذ الفقرة 1610 من القانون الاميركي بالتنازل عن الحصانة، وتمنح الفقرة 1611 الحصانة فقط للاصول التي تحوزها المصارف المركزية الأجنبية لحسابها الخاص (Held for its own account) اي الاموال التي تستعملها لتسيير اعمالها، وكل ما عداها هو غير مشمول بالحصانة وقابل للحجز. اما خارج الولايات المتحدة، فيجب العودة الى القانون المعمول به في البلد الذي يتمّ تنفيذ الحكم فيه، مما سيعقّد بشكل كبير إمكانية حصول لبنان على استشارة قانونية موحّدة تطمئنه لجهة بتّ مسألة الحجز سلباً او ايجاباً، إذ انّ الحل يختلف من بلدٍ الى آخر.

مصرف لبنان هو شخص معنوي من القانون العام، ويتمتّع بالاستقلال المالي عملاً بأحكام المادة 13 من قانون النقد والتسليف. وهو يملك ،على سبيل المثال لا الحصر، ذهباً مودعاً في الولايات المتحدة وغير قابل للبيع عملاً بأحكام القانون اللبناني رقم 42/86، كما ويملك اسهم شركتي MEA وIntra. سيحاول الدائنون حجز الأصول المملوكة مباشرة من مصرف لبنان كالذهب، وتلك المملوكة منه بشكل غير مباشر، وذلك باختراق حجاب الشركات (Pierce the veil) التي يملكها وحجز اصولها، كالطائرات وغيرها. هل يحوز مصرف لبنان الذهب او اسهم الشركات لحسابه الخاص ام لحساب الدولة اللبنانية؟ من المؤكّد انه لا يستعمل أسهم الشركتين المذكورتين لتسيير اعماله، اما بالنسبة للذهب، فالمسألة اكثر تعقيداً. الى ذلك، فإنّ حامل سند الدين قد يحاول حجز كافة الاموال المنقولة العائدة للدولة اللبنانية خارج لبنان، من حمولات بواخر متجهة الى لبنان ومنتجات مصدّرة (من نفط وغاز وغيرها).

اخذ صندوق النقد الدولي بنظرية الـDisenfranchisement التي تحظّر على الجهات التي تحمل سندات دين من ان تمارس حق التصويت عند اتخاذ قرارات إعادة الهيكلة، اذا كانت هذه الجهات لا تتمتع بحرّية القرار (Autonomy of decision) تجاه الدولة المُصدِرَة لهذه السندات. فمصرف لبنان هو بالتأكيد خاضع لهذه النظرية، مما قد يحول ببعض المحاكم الاجنبية ان تعتبر ذلك قرينة تسمح لها بحجز امواله، باعتبارها تعود لصاحب القرار، اي للدولة اللبنانية. انّ علاقة مصرف لبنان بالدولة عضوية، وهذا يظهر من كيفية تعيين حاكم مصرف لبنان ونوابه، وتكوين المجلس المركزي، ومراقبة المصرف المركزي من قِبل وزارة المالية، وايضاً من الدور الذي لعبه مصرف لبنان خلال العقود المنصرمة في إصدارات سندات الدين. فلا يمكن استبعاد ان ترى محكمة ما في كل ذلك إثباتاً على امتلاك الدولة لمصرف لبنان او على الاقل لتشابكهما (Intertwining).

بالمحصّلة، لا يسعنا الّا التأكيد على انّه يتوجب على الدولة امّا تنفيذ موجباتها تجاه دائنيها واحترام تعهداتها الدولية (Pacta sunt servanda)، وامّا التفاوض معهم لإعادة هيكلة ديونها بشكل منظّم وتوافقي. فحان وقت المحاسبة وايضاً وقت التعاضد، بعيداً من الشعبوية وتقاذف المسؤوليات. لقد أُسقِطَت الحصانات القضائية الخارجية، وليت تسقط الحصانات الداخلية.

البروفسور نصري أنطوان دياب - الجمهورية

يلفت موقع "المصدر العربي" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مدينة خليفة الصناعية تضم أول مصانع "شريناث فلكسي باك" الهندية في الشرق الأوسط
التالى التآمر لاستقدام صندوق النقد: من يدفع الفاتورة؟