سياسة

عندما تحوَّلت الرئاسات ديكورات لـ”الحزب”

كتب معروف الداعوق في “اللواء”:

لم تصل دولة لبنان، الى حال التدهور الذي تتخبط فيه حاليا، وسلسلة الازمات الضاغطة والمشاكل التي تواجه اللبنانيين هكذا فجأة، من دون مقدمات او تحضير للارضية الملائمة، بل بخطوات مدروسة وبالتدريج، ضمن مخطط معد سلفا لهذه الغاية منذ وقت طويل، ليسهل بعد ذلك الانقضاض على الدولة، تخويف اللبنانيين، وارغامهم على القبول مرغمين بالامر الواقع المفروض عليهم.

بدأت عملية تفكيك الدولة، باستهداف مبرمج لمرتكزات الدولة الأساسية، بقوة وضغط السلاح غير الشرعي واضعافها والسيطرة عليها، بدءا برئاسة الجمهورية، ورئاسة المجلس النيابي، ورئاسة الحكومة، وفرض تعيين الوزراء من الاتباع والمحظيين، وتطويع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، وتفريغ الوطن من زعاماته ورجالاته السياسية والفكرية الوطنية الفاعلة، بالاغتيال او الترهيب المسلط على الرؤوس، وتهجير الطاقات والكفاءات للخارج، اضعاف المؤسسات المحركة للدورة الاقتصادية والحياة العامة، تعطيل قطاع الكهرباء والمياه، استنزاف القطاع المصرفي، انهيار القطاع الصحي العام، اضعاف التعليم الرسمي والجامعي، والسيطرة على معظم النقابات والجمعيات، اوتفريغها من فاعليتها.

وعندما ضعفت مؤسسات الدولة وتفككت، منذ سنوات اصبح الالتزام بالدستور وتطبيق القوانين المعمول بها معلقا، او اداة في قبضة حزب الله، يوجهه لمصلحته ولاهداف تحالفه مع النظام الايراني ومصالحه الاقليمية،على حساب وحدة واستقرار ومصلحة الدولة والشعب اللبناني.

وهكذا تحولت الدولة اللبنانية اليوم الى محميات، وممالك، ومافيات واقطاعيات ومزارع ودكاكين،للمسؤولين السياسيين ورؤساء الاحزاب وكبار الموظفين والمحظيين، يستبيحون قوانينها، ويحولونها ملكية خاصة للتربع على السلطة، وينهبون مقدراتها، ويعتدون على حقوق مواطنيها، ويحتمون بسياج امنها وعسكرها، ولم تعد دولة بكل معنى الكلمة، ولا وطن كما يتمناه معظم أبنائه، بل مجرد بقعة ارض، تتنازعها الصراعات المحلية والاقليمية والدولية، وتعمها الفوضى، وتنتهك فيها حقوق وكرامات أبنائها وتخرج من معادلة الاوطان الى عالم الكيانات الضائعة.

لذلك، لم يكن مستغربا ان يمر اي استحقاق مهم في تركيبة الدولة، ضمن غربلة حزب الله، منذ بداياته حتى إنجازه، ليصبح من يتولاه بالنهاية أداة طيعة بيده، يأتمر بأوامره، وينفذ سياساته واهدافه وفي مقدمتها تغاضيه عن وضعية سلاحه الايراني غير الشرعي، واستعماله في اي وجهة تخدم مصلحة إيران الاقليمية والدولية، وليس مصلحة اللبنانيين.

ويأتي التعطيل المتعمد لانتخابات رئاسة الجمهورية من قبل حزب الله هذه الأيام، ضمن سياسية الحزب لاضعاف موقع الرئاسة واستنزاف مؤسسات الدولة اللبنانية المرتبطة حكما بتسيير أمور ومسائل السلطة وانتظام عملها، لكي يتسنى له بالنهاية فرض رئيس للجمهورية، يدور بفلكه ويتغاضى عن تفلت سلاحه غير الشرعي، ويتماهى معه في مشاريعه واهدافه الاقليمية.

قبلها عطل الحزب عمل الحكومة الحالية قبل أن تتحول إلى حكومة تصريف الأعمال، لمنع التحقيق بتفجير مرفأ بيروت من ان يبصر النور، طمسا للحقيقة وانكشاف المتورطين بالتفجير.

ولذلك، يسوق حزب الله حجج وذرائع تعطيل الانتخابات الرئاسية، حسب الظروف، ويحدد مواصفات الرئيس بما يخدم مصالحه، بدءا من فرض شرط طرح الحوار قبل الانتخابات، مرورا بفرض مواصفات «الرئيس الذي لا يطعن المقاومة في الظهر» وانتهاء بربط انتخاب رئيس الجمهورية، بانتهاء الحرب الإسرائيلية العدوانية على قطاع غزة، والنتيجة واحدة بقاء لبنان بلا رئيس للجمهورية، وحكومة تصريف الأعمال ومجلس نيابي شبه مشلول، ولا يجتمع الا بشق الانفس وتبويس لحى الكتل النيابية، ووضع اقتصادي منهك وانهيار مالي ومعيشي يضغط على اللبنانيين من كل اتجاه، والاخطر من كل ذلك المواجهة العسكرية التي يخوضها الحزب مع قوات الاحتلال الاسرائيلي على الحدود اللبنانية الجنوبية واحتمال تحولها الى حرب واسعة تعرض لبنان لمخاطر وتداعيات غير محسوبة.

أصبح لبنان اليوم، شبه دولة، مفككة الاوصال تحكمه امتيازات الميليشيات الطائفية والمذهبية الماجورة للخارج، تارة تحت عباءة مقاومة إسرائيل، وتارة التستر بشعارات المدافعين عن السيادة والحرية والاستقلال، التلاقي والاتفاق على استباحة البلد، ونهب مقدراته، والتسلط على على موارده، وتهديم مرتكزاته بالتماهي مع الملتحفين بعباءات الوطنية المزيفة بالرئاسات والوزارات والادارات العامة من اولها الى اخرها.

هذا هو واقع لبنان اليوم، وانتخاب رئيس للجمهورية اولا، يمكن أن يشكل بداية الإنقاذ من حال الانهيار والتفكك الذي تسبب به سلاح حزب الله وملحقاته، وإن كان تحقيق مثل هذا الهدف صعب المنال اذا لم تتضافر جهود داخلية وعربية ودولية،لدعمه ومساعدته للخروج من هذا الوضع المأساوي المؤلم.

زر الذهاب إلى الأعلى