سياسة

من مورينهو إلى بوتين وصولاً إلى كريم خان ونتنياهو… Porque؟

سامر زريق نقلاً عن “إيلاف”

لطالما اشتهر المدرب البرتغالي جوزيه مورينهو بتصريحاته المثيرة للجدل، حتى أن بعض مؤتمراته الصحفية تحولت إلى مرجع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. حينما كان مدرباً لنادي ريال مدريد، وعقب تعرضه لقرارات مجحفة في إحدى المباريات المفصلية في نيسان (أبريل) 2011، تتمثل بطرده مع لاعبين بارزين، خرج بمؤتمر صحفي شن فيه حملة ذكية على الاتحاد الأوروبي للعبة “اليويفا”، عبر طرحه مجموعة تساؤلات باللغة الإسبانية، بدأ كل واحدة منها بـ””لماذا” “Porque”؟ تاركاً للتاريخ أن يجيب عليها.

ازدواجية المعايير
اتهم مورينهو السلطة الأوروبية بشكل مبطن بازدواجية المعايير، عبر ضربه مجموعة من السوابق، مما أسهم في تهشيم صورة “اليويفا” الأخلاقية، التي ما برح القادة الأوروبيين الكرويين والسياسيين يروجون لها. إحداها كانت الفضيحة التحكيمية التي تعرض لها نادي تشيلسي الإنجليزي عام 2009، وتسببت بإقصائه من دوري أبطال أوروبا، والتي عاد حكم المباراة واعترف بها في حوار صحفي بعد 13 عاماً.

حينذاك كان تشيلسي مملوكاً من رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش، الذي أحدث منذ شرائه النادي اللندني عام 2004 طفرة في الدوري الإنجليزي، وكان من العوامل الرئيسية في نمو قيمته التسويقية والإعلامية. بيد أن الحكومة البريطانية أجبرته على التخلي عن الملكية غداة الحرب في أوكرانيا، فقط لأنه روسي. الأمر الذي قوبل بسخط واسع لدى جماهير تشيلسي التي لا تزال تتغنى بحقبة أبراموفيتش الذهبية، ولا سيما بعد تدهور حاله.

والحال أنَّ الازدواجية التي تحدث عنها مورينهو نجد التطبيقات العملية لها اليوم في العديد من القضايا والأمكنة، بيد أن العنوان الأبرز لها هو “شيطنة” روسيا وأصدقائها. فمنذ شباط (فبراير) 2022، يشن الغرب حملة لا هوادة فيها لتهشيم مكانة روسيا الدولية، وصورتها الأخلاقية، وقيمتها التاريخية، الى جانب السعي لخنقها بالعقوبات. وتشمل هذه الحملة كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والفكرية والثقافية، وحتى الرياضية. وكذلك كل أصدقاء روسيا من الدول وقادتها.

وعلى طريقة مورينهو، ثمة الكثير من التساؤلات التي يجب طرحها:

لماذا أو “Porque” قام الاتحاد الأوروبي بحرمان منتخبات روسيا وأنديتها ورياضييها من المشاركة في أي بطولة قارية، رغم زعمه بأنه مستقل وغير مسيس؟ لماذا فعل ذلك أيضاً الاتحاد الدولي “الفيفا” الذي هو نفسه منح روسيا تنظيم كأس العالم 2018؟ لماذا قامت اللجنة الأولمبية الدولية بحرمان أبطال روسيا من المشاركة في الأولمبياد الذي لطالما اعتادوا التألق فيه والمنافسة على ميدالياته؟

“Porque” روسيا؟
لماذا جرى تفجير أنابيب “نورد ستريم” في أيلول (سبتمبر) 2022؟ ومن فعلها؟ لماذا اتهام روسيا بتفجيرها، وترويج ذلك إعلامياً، رغم المنافع الاقتصادية التي تدرها؟ لماذا قامت ثلاث دول، ألمانيا والدانمارك والسويد، بإقفال ملف التحقيقات فيها دون الإعلان عن الفاعلين، رغم المعلومات التي تتحدث عن قوة عسكرية أوكرانية قامت بتنفيذ التخريب، ورغم ما أشار اليه الصحفي الشهير سيمون هيرش من مسؤولية الاستخبارات الأميركية عن العملية؟

لماذا تعرض رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو لمحاولة اغتيال؟ ولماذا سارعت أميركا، وبعض الصحف الأوروبية، ومنها “التايمز” البريطانية، إلى اتهام موسكو بمحاولة قتل صديقها، رغم اعتراف منفذ العملية، كما هو مثبت في وثائق التحقيق الرسمية، أن دافعه الأساسي كان قرار حكومة فيكو إيقاف إرسال المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا؟ لماذا تتجاهل وسائل الإعلام الغربية تصريحات فيكو التي قال فيها إنَّ أوكرانيا ليست دولة مستقلة وذات سيادة، لكنها تحت النفوذ والسيطرة الكاملة لأميركا؟

لماذا تتجاهل أيضاً التهديدات العلنية التي تعرض لها رئيس وزراء جورجيا إيراكلي كوباخيدزه من قبل مسؤولي الاتحاد الأوروبي، على خلفية إقرار قانون “العملاء الأجانب”، الذي فرض رقابة على التمويل الخارجي للمنظمات غير الحكومية، والتي يفوق عددها 10 آلاف، وغالبيتها تسعى لزعزعة الاستقرار والتدخل في القعملية صنع القرارات؟ تلك التهديدات وصلت الى حد التلويح لكوباخيدزه بمصير نظيره السلوفاكي على لسان أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي الذي قال له: “انظر الى ما حدث لفيكو، وعليك أن تكون أكثر حذراً”. أليس هذا إرهاباً؟ فضلاً عن التلويح بالعقوبات كما هي العادة. أليس المراد من كل ذلك تشكيل حزام ناري معادي حول روسيا؟

لماذا يتعرض رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الى تهديدات بـ”بتركيع بلاده اقتصادياً” وفق ما كشفت صحيفة “فاينشال تايمز”؟ ولماذا قام الاتحاد الأوروبي بتجميد أموال عائدة لها؟ هل بسبب تفعيل أوربان مجموعة “فيشغراد”، التي تضم المجر وتشيكيا وسلوفاكيا وبولندا، في مواجهة هيمنة الاتحاد الأوروبي؟ أم بسبب صداقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ أم بسبب استخدامه حق النقض “الفيتو” ضمن الاتحاد الأوروبي لمنع إقرار حزمة مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 50 مليار دولار في أواخر العام الماضي؟

بين بوتين ونتنياهو
بكافة الأحوال فقد أدت تلك التهديدات الى إقرار الحزمة في شباط (فبراير) الماضي. لكن أوربان كشف في حديث إذاعي منذ أيام قليلة أن “مجموعات العمل بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل تدرس في الوقت الحالي كيف يمكن للحلف أن يشارك بالحرب في أوكرانيا”. بيد أن كل ما سبق في كفة، ومواقف أميركا وبعض كبار “الناتو” الشديدة إزاء المحكمة الجنائية الدولية في كفة أخرى.

لماذا كان الرئيس الأميركي جو بايدن ومسؤولي إدارته في طليعة المؤيدين والداعمين للمحكمة الجنائية الدولية عقب إصدارها مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي، في آذار (مارس) الماضي، وكذلك الحال بالنسبة للمسؤولين الألمان والفرنسيين والبريطانيين؟

لماذا حين أصدرت المحكمة نفسها، والمدعي العام نفسه كريم خان، مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت، لمسؤوليتهما عن جرائم الإبادة في غزة، بالتوازي مع ثلاث مذكرات توقيف بحق قادة حماس البارزين، سارعت واشنطن الى الانقضاض عليهما، وراحت تمعن في ضغطها عبر مختلف أدوات التهديد الناعمة منها والخشنة؟

لماذا انساق خلفها القادة الأوروبيين، الذي يصرون دائماً على إظهار التبعية العمياء لها، ولو على حساب مصالح بلادهم، كما بين الرئيس الروسي خلال حواره مع الإعلامي الأميركي تاكر؟

بمعزل عن الموقف من المذكرات الصادرة بحق قادة حماس، وجدلية الإرهاب ومحاربة الاستعمار، وبمعزل أيضاً عن الفارق بين دولة حديثة مارقة، بنت حضورها على الإرهاب والدم والإبادة منذ قيامها عام 1948، وبين روسيا وتاريخها العريق، وحضارتها وإشعاعها الثقافي، والدور المحوري الذي لعبته في القضاء على النازية والفاشية، اللتان نشهد انبعاثهما في أوروبا من جديد، فإن الذريعة التي تستند اليها واشنطن اليوم، كما في كل وقت، لدعم إسرائيل عسكرياً ومالياً وسياسياً هي “حق الدفاع عن النفس”.

لماذا يحق لإسرائيل التي تحتل أرضاً ليست أرضها، الدفاع عن نفسها في مواجهة سكان البلاد الأصليين؟

لماذا لا يحق لروسيا الدفاع عن نفسها في مواجهة “الناتو” الذي زرع حدودها بالصواريخ الذكية والبعيدة المدى، وأجهزة التنصت الحديثة، وما انفك عن التحريض وخطاب الكراهية ضد الأقليات الروسية في البلدان المجاورة؟

لماذا يسعى الغرب الى إقناع الجماهير قسراً بسردية وحيدة تشرعن النفاق وازدواجية المعايير وتبررهما، مقابل تغييب وجهات نظر الآخرين وآرائهم وقيمهم؟ ألا يعبر ذلك عن استبداد فكري وإرهاب ثقافي؟ أين هي القيم الإنسانية العالمية ومنظومة الحقوق والحريات والمساواة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى